غانم قدوري الحمد

323

الدراسات الصوتية عند علماء التجويد

وقد نقلت هذا النص على طوله ، مع ما فيه من غموض في إمكانية قراءة بعض الكلمات ، لأنه نص عزيز يعرض فكرة جديدة متميزة ، إذ يتضح من هذا النص أن وجه التقابل بين السكون الحي والسكون الميت ليس قائما على أساس قابلية السكون الحي للحركة وعدم قابلية السكون الميت لها ، كما هو المتبادر إلى الذهن ، وإنما هو قائم على أساس طبيعة مخرج الصوت في أثناء مرور النفس به . فجميع الأصوات الجامدة سكونها حي ، لعمل أعضاء آلة النطق في مخارجها ، إما بسد مجرى النفس بالكلية ثم إطلاقه ، وذلك في الأصوات الشديدة ، وإما بتضييق مجرى النفس عند مخرج الصوت ، وذلك في الأصوات الرخوة . أما حروف المد فسكونها ميّت لأن أعضاء آلة النطق لا تعترض مجرى النفس عند إنتاجها بسد ولا تضييق ، وإنما تكون ( كالأنبوب ) ، كما يقول ابن الطحان . ولخص القسطلاني فكرة تقسيم السكون إلى حي وميّت ، من غير أن يخرج على أصل الفكرة ، ومن غير أن يضيف إليها شيئا جديدا ، وذلك حيث قال : « وأما السكون فنوعان : حي وميت . فالثاني الألف وأختاها ، لأنهن لا حيّز ولا مقطع لهن محقق ، فإن انفتح ما قبل الواو والياء فسكونهما حي ، لأخذ اللسان الياء ، والشفتين الواو ، كسائر الحروف ، فكما تجد الجيم التي هي أخت الياء في مخرجها قد أخذها اللسان ، في قولك : رميت « 1 » ، كذلك تجد الواو قد أخذتها الشفتان في قولك : عفوت » « 2 » . وإنه لأمر عجب ألّا نجد نصوصا أخرى تتعلق بفكرة تقسيم السكون إلى حي وميت ، وإني أتوقع ألا يكون ابن الطحان هو أول من شرح هذه الفكرة ، كما أن القسطلاني ليس الوحيد الذي تحدث عنها بعد ابن الطحان ، وأعجب من ذلك أن سيبويه تحدث عن قضية أعتقد أنها هي أصل تلك الفكرة لدى علماء التجويد ، ولكن أحدا لم يشر إليها ولا تحدث عنها بعد سيبويه من القدماء ولا المحدثين ، بقدر ما اطلعت عليه من المصادر . يذهب سيبويه إلى تقسيم الألف والواو والياء إلى حية وميتة . وهو يريد بالحية ( المتحركة ) ، وبالميتة ( الساكنة ) ، ومن ثم كانت الألف ميتة لأنها لا يفارقها السكون ، قال : « وإنما جسروا على حذف الألف لأنها ميتة لا يدخلها جر ولا رفع ولا نصب » « 3 » . وقال سيبويه

--> ( 1 ) لا تخلو هذه العبارة من الاضطراب : ولعل تصحيفا أخل بها ، أو سقط منها شيء ، ومع ذلك فالمعنى واضح ، لا يخفى أنه يريد : أخذ اللسان الياء في قولك : رميت . ( 2 ) لطائف الإشارات 1 / 187 . ( 3 ) الكتاب 3 / 356 و 423 .